هشام جعيط
49
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
بجفاف تجاوز ما هو موجود عند ابن إسحاق - وقد روى عنه الطبري « 1 » وهو الذي يشكل جوهر الروايات المدنية - واعتمد البلاذري « 2 » بالخصوص تلك الروايات العراقية ( رواية عوانة ومجالد بالنسبة للمدائن ، ورواية أبي مسعود الكوفي وعوانة وهشام بن الكلبي وعوانة من جديد بالنسبة لجلولاء ) . وقد اشتملت رواية خليفة بن خياط « 3 » على كثير من الأخبار المقتضبة التي كانت عراقية ومدنية ، كانت أخبارا رئيسة وثانوية ، اضطرب توقيتها . أما رواية الدينوري « 4 » ، فقد اتصفت بشكلها العام . الواقع أن من غزارة الروايات وتناقضاتها ذاتها يبرز منطق للأحداث يجب متابعته دون المساس بأصل الروايات أو بشكلها : تلك هي الطريقة التي توخيناها لحد الآن ، وهي الطريقة ذاتها التي سنستمر في العمل بها . الاستيلاء على المدائن خرج العرب إلى المدائن بعد وقعة القادسية ، ودفعتهم إلى ذلك ضرورة عسكرية بديهية هي الاستيلاء على عاصمة الإمبراطورية الفارسية التي كانت المقر الرئيسي للسلطة في العراق ، والمركز النابض للقيادة ؛ وتبعا لذلك تقرر القضاء على الدولة الفارسية في العراق . كان العرب لذلك السبب على يقين من أن انتصارهم في القادسية كان حاسما واكتسب طابعا آخر مغايرا لما كان عليه الأمر في البويب مثلا . ويزداد الأمر بداهة عند مقارنته بما جدّ في الأيام المعروفة . بقي أن نعرف هل تم القضاء على الجيش الفارسي قضاء مبرما ، إلى درجة أن المسيرة نحو المدائن ستؤول إلى مجرّد حوز للمدينة أم أن الفرس ما زال لديهم دافع يدفعهم ، وهل كان ممكنا قلب الوضع لصالحهم ؟ يبدو أن كايتاني يميل إلى الرأي الأول « 5 » ، وذلك ما جعله يرّق لرواية المدنيين الجافة . على أن ما يقبل الاحتمال هو ظهور بعض مواقع المقاومة الصغرى حتى المدائن ، وصمود أشد في أسفل جبال زاغروس ، بجلولاء ذاتها . لجلولاء في الرواية التاريخية العربية كلها مكان مفضل في ملحمة فتح العراق ، لكن أيضا في كتب الفقه . كان حضور الناس وعدم الحضور
--> ( 1 ) التاريخ ، ج 3 ، ص 578 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 262 - 265 . ( 3 ) التاريخ ، ج 1 ، ص 103 - 108 . ( 4 ) الأخبار الطوال ، ص 126 - 127 . ( 5 ) فقد تحدث عن « حملة بدون رونق » ترتب عليها طرد الساسانيين من بلاد بابل : Annali . . . , III , 2 , pp . 713 - 14 , . p . 756 .